نهضة الصين الرقمية: طريق الابتكار والاستقلال التكنولوجي

أولاً. مقدمة: الصين كمركز ابتكار رائد

تطورت العلوم والتكنولوجيا في الصين بسرعة منذ الثمانينيات وحتى العشرينيات من القرن الحالي، مع تقدم علمي وتكنولوجي كبير على مدى العقود الأربعة الماضية. احتلت الصين المرتبة 11 عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي لعامي 2022 و2024، وجاءت في المرتبة الثالثة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والثانية بين الدول التي يزيد عدد سكانها عن 100 مليون نسمة.

ينظر قادة الصين إلى التنمية العلمية والتكنولوجية على أنها حيوية لتحقيق الازدهار الاقتصادي، والأمن القومي، والمكانة الوطنية. ويعتبر الافتقار إلى الملكية الفكرية التكنولوجية والابتكار المحلي مشكلة وطنية رئيسية. يتسع نفوذ الصين كمركز عالمي للابتكار، حيث تتحول من مجرد مشارك ومساهم إلى رائد وقائد، لا سيما في تكنولوجيا الكم، وعلوم الحياة، والذكاء الاصطناعي.

إن الصعود السريع للصين في تصنيفات الابتكار (المرتبة 11 عالمياً، ) والاستثمار في البحث والتطوير (الثاني عالمياً، )، إلى جانب اعتبار الافتقار إلى الابتكار المحلي “مشكلة وطنية رئيسية” ومسألة “أمن قومي ومكانة وطنية” ، يدل على أن هذا التطور ليس مجرد تطور سوقي عضوي، بل هو نتيجة لسياسة وطنية متعمدة ومستدامة. هذا التركيز الاستراتيجي على السيادة التكنولوجية يرفع التكنولوجيا إلى ما هو أبعد من مجرد المنافسة الاقتصادية، ويكشف عن ضرورة استراتيجية عميقة لتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، لا سيما في المجالات الحيوية، لتقليل نقاط الضعف أمام الضغوط الخارجية. هذا الدافع الاستراتيجي يقود “مسعى مجتمعيًا كاملاً” يتضمن تمويلًا حكوميًا ضخمًا، وأطر سياسات مثل مبادرة “صنع في الصين 2025” وخطة الذكاء الاصطناعي، ونموذجًا هجينًا يجمع بين التوجيه الحكومي وديناميكية القطاع الخاص. يشير التحول من “مشارك إلى رائد” إلى نضج هذا النهج المنهجي، حيث أصبحت الصين الآن تشكل بنشاط حدود التكنولوجيا العالمية بدلاً من مجرد اللحاق بها.

الجدول 1: مكانة الصين في الابتكار والبحث والتطوير العالمية

المؤشرالقيمة (2022/2024)المصدر
ترتيب مؤشر الابتكار العالمي (2022)11 
ترتيب مؤشر الابتكار العالمي (2024)11 
الترتيب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ3 
الترتيب بين الدول التي يزيد عدد سكانها عن 100 مليون2 
ترتيب إجمالي الاستثمار في البحث والتطوير2 
حصة الشركات من الإنفاق الوطني على البحث والتطوير>75% 
طلبات براءات الاختراع (الصين مقابل الولايات المتحدة واليابان)40% من الإجمالي العالمي (الصين) 
الأوراق البحثية الأكثر استشهاداً في الذكاء الاصطناعي (توقع 2025)من المتوقع أن تتجاوز الولايات المتحدة 
المؤسسات الأكاديمية العشرة الأولى عالمياً (حصة الصين في مؤشر نيتشر)7 من أصل 10 
أعلى 10% من المنشورات الأكثر استشهاداً (2022)28.8% (الصين) 

ثانياً. بناء قوة تكنولوجية: أطر السياسات والاستثمار

أ. “صنع في الصين 2025” وتطورها

أطلقت مبادرة “صنع في الصين 2025” في عام 2015 بهدف تحديث القدرات التصنيعية، وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، وزيادة المحتوى المحلي من المواد الأساسية إلى 70% بحلول عام 2025. تشمل الصناعات الرئيسية المستهدفة أشباه الموصلات، والروبوتات المتقدمة، والفضاء، والطب الحيوي.

على الرغم من رد الفعل الدولي الذي أدى إلى تقليل التركيز على شعار المبادرة، إلا أن الأهداف الأساسية استمرت وتطورت لتصبح “صنع في الصين 2.0”. تتميز هذه المرحلة الجديدة بتحول موجه نحو الاكتفاء الذاتي، مدعوم بالذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء، حيث تحدد الصين شروط المنافسة في المركبات الكهربائية، والألواح الشمسية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

عملت مبادرة “صنع في الصين 2025” كمرحلة “محفزة” حشدت الاستثمار وحفزت التحديث الصناعي. تضمنت مئات المليارات من الدولارات في شكل تمويل حكومي، وقروض منخفضة الفائدة، وإعفاءات ضريبية، مع استثمار إضافي قدره 1.4 تريليون دولار بعد جائحة كوفيد-19.

إن إطلاق مبادرة “صنع في الصين 2025” بأهدافها الطموحة ثم التراجع عن شعارها بسبب التدقيق الدولي، مع استمرار أهدافها الأساسية تحت مسمى “صنع في الصين 2.0″، يعكس براغماتية الصين في علاقاتها الدولية. إنها مستعدة لتعديل الرسائل العامة مع الحفاظ على الأهداف الاستراتيجية الأساسية. يشير هذا التطور إلى رؤية الصين الاستراتيجية طويلة الأجل والقابلة للتكيف. الأمر لا يتعلق باسم سياسة محددة، بل بالطموح المستمر لتحويل قاعدتها الصناعية نحو قيمة أعلى، والاكتفاء الذاتي، والريادة العالمية في التقنيات المستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء. تشير “المرحلة المحفزة” إلى سياسة تأسيسية وليست نهائية، مما يسمح بالتحسين والتوسع. هذا يعني أن الصين ستستمر في تكثيف المنافسة في القطاعات التصنيعية العالمية الرئيسية، مما قد يؤدي إلى زيادة القدرة الفائضة وانكماش هوامش الربح للشركات الأجنبية ، مما يفرض إعادة تقييم لسلاسل التوريد العالمية والسياسة الصناعية في الدول الأخرى.

الجدول 2: الصناعات الرئيسية المستهدفة بمبادرة “صنع في الصين 2025”

الصناعةالمجالات الفرعية الرئيسيةالمصدر
تكنولوجيا المعلوماتالذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، الأجهزة الذكية 
الروبوتاتالذكاء الاصطناعي، التعلم الآلي 
الطاقة الخضراء والمركبات الخضراءكفاءة الطاقة، المركبات الكهربائية 
معدات الفضاء الجوي  
الهندسة البحرية والسفن عالية التقنية  
معدات السكك الحديدية  
معدات الطاقة  
المواد الجديدة  
الأدوية والأجهزة الطبية  
الآلات والمعدات الزراعية  

ب. “خطة تطوير الذكاء الاصطناعي للجيل الجديد”

تهدف هذه الخطة، التي صدرت في عام 2017، إلى أن تصبح الصين “المركز العالمي الرئيسي للابتكار في الذكاء الاصطناعي” بحلول عام 2030، مع تحقيق مستويات متقدمة عالميًا بحلول عام 2020 واختراقات رائدة عالميًا بحلول عام 2025. وتسعى لجعل الذكاء الاصطناعي القوة الدافعة الرئيسية للارتقاء الصناعي والتحول الاقتصادي.

تعمل الخطة بشكل أقل كخطة مركزية صارمة وأكثر كـ “قائمة أمنيات” للتقنيات التي ترغب الحكومة المركزية في تطويرها، مما يحفز المسؤولين المحليين بالدعم المالي والعقود العامة والسياسات الصديقة للذكاء الاصطناعي لتوجيه تطوير القطاع الخاص. يسمح هذا النهج بالتجريب السريع والتبني عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتنوعة.

تقدم بكين التمويل للبحث الأساسي في الذكاء الاصطناعي في الجامعات والمختبرات المدعومة من الدولة، مما يعزز التعاون مع الشركات. كما تعمل على بناء شبكة حوسبة وطنية متكاملة لتجميع الموارد الحاسوبية وتوفير “قسائم حوسبة” للوصول المدعوم. وتستفيد صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين من ميزة الطاقة التي تسهل استخدام أجهزة الذكاء الاصطناعي محلية الصنع.

إن وصف خطة الذكاء الاصطناعي بأنها “قائمة أمنيات” تحفز المسؤولين المحليين وتطوير القطاع الخاص، بدلاً من كونها خطة مركزية صارمة، يشير إلى تحول عن التخطيط المركزي التقليدي من أعلى إلى أسفل. هذا النهج اللامركزي والمحفز يسمح بنطاق هائل وتجريب سريع في تطوير الذكاء الاصطناعي، مستفيدًا من الديناميكية المحلية وابتكار القطاع الخاص. إنه يدرك أن الذكاء الاصطناعي، على عكس الصناعات التقليدية، هو مجال واسع يتطلب تطبيقات متنوعة وتكرارًا سريعًا، وهو ما قد تعيقه خطة مركزية صارمة. إن قبول الحكومة لـ “الهدر والفساد، الذي من المحتمل أن يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات” يشير إلى مخاطرة محسوبة، مع إعطاء الأولوية للفائدة الاقتصادية الشاملة على الكفاءة المثالية على المدى القصير. هذا النهج العملي والمتحمل للمخاطر، جنبًا إلى جنب مع الدعم الحكومي الهائل للبحث والمواهب والحوسبة المدعومة ، يخلق ميزة تنافسية فريدة للصين في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، مما يتيح نشرًا أسرع وتبنيًا أوسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر اقتصادها ومجتمعها.

ج. دور الشركات ومؤسسات البحث

تستحوذ الشركات على أكثر من 75% من الإنفاق الوطني على البحث والتطوير وتوظيف الموظفين في هذا المجال. هذا يسلط الضوء على مكون مدفوع بالسوق ضمن نظام الابتكار المدعوم من الدولة في الصين.

يعزز النظام الصناعي القوي التعاون المفتوح بين المختبرات والمصانع، حيث تشكل الشركات الرائدة تحالفات ابتكارية مع الجامعات والشركات الصغيرة والمتوسطة ومؤسسات البحث. وتضم الصين سبعًا من أفضل عشر مؤسسات أكاديمية عالميًا في مؤشر نيتشر.

إن استحواذ الشركات على غالبية الإنفاق الوطني على البحث والتطوير، ووجود “نظام صناعي قوي” يعزز التعاون بين المختبرات والمصانع والجامعات والشركات ، يدل على أن نموذج الابتكار في الصين ليس خاضعًا لسيطرة الدولة بالكامل، بل يعتمد بشكل كبير على الجهات الفاعلة في السوق. هذا النموذج الهجين يجمع بين التوجيه الاستراتيجي والتمويل الضخم من الدولة مع الكفاءة والاستجابة للسوق وقدرات التسويق للشركات الخاصة. هذا التآزر حيوي لترجمة الاختراقات العلمية إلى تطبيقات صناعية وتحقيق “نمو عالي الجودة”. إنه يسمح بالبحث “الأزرق السماوي” (الممول من الدولة) والابتكار التطبيقي السريع (الذي تقوده الشركات). يساهم هذا التآزر بين الدولة والسوق في “سرعة الصين” في الابتكار ويمكّن من التوسع السريع للتقنيات الجديدة، مما يشكل تحديًا هائلاً لمراكز الابتكار التقليدية وقد يؤدي إلى تحديد الصين لمعايير صناعية عالمية جديدة.

ثالثاً. حدود الابتكار: التطورات التكنولوجية الرئيسية

أ. الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته

تحقق الصين تقدمًا سريعًا في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تقترب نماذجها من أداء النماذج الأمريكية الرائدة. ومن المتوقع أن تتجاوز الولايات المتحدة في الأوراق البحثية الأكثر استشهاداً في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2025.

ينمو تبني الذكاء الاصطناعي بسرعة عبر القطاعات، من المركبات الكهربائية والروبوتات إلى الرعاية الصحية والتكنولوجيا الحيوية. وتدعم خطة الذكاء الاصطناعي لعام 2017 صراحةً تطبيق الذكاء الاصطناعي في السلامة العامة، بما في ذلك أنظمة المراقبة الذكية والإنذار المبكر والتحكم. تشارك شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة مثل هواوي وهيكفيجن بعمق في مشاريع “المدن الذكية” و”حلول الأمن العام” عالميًا، حيث توفر كاميرات المراقبة والتعرف على الوجه وتحليلات البيانات.

إن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصين، التي تمتد عبر القطاعات الاقتصادية (المركبات الكهربائية، الروبوتات، الرعاية الصحية، ) وتتوسع صراحةً في “أنظمة المراقبة الذكية والإنذار المبكر والتحكم في السلامة العامة” ، مع قيام الشركات الصينية بتصدير تكنولوجيا المراقبة عالميًا ، تظهر أن الذكاء الاصطناعي في الصين يخدم كلاً من التنمية الاقتصادية وسيطرة الدولة. هذا الطابع المزدوج الاستخدام يخلق معضلة أخلاقية عميقة. فبينما يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين الكفاءة والإدارة الحضرية، فإن تطبيقه في المراقبة الشاملة يثير مخاوف كبيرة بشأن حقوق الإنسان ويسهل الاستبداد الرقمي. يوسع تصدير هذه التقنيات عبر مبادرات مثل مبادرة الحزام والطريق هذا النموذج عالميًا، مما يتحدى المعايير الديمقراطية والخصوصية. هذا التوتر يدفع إلى نقاش عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وحدوده الأخلاقية ونشره. كما يسلط الضوء على كيفية استغلال القيادة التكنولوجية ليس فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية ولكن لتشكيل الأنظمة السياسية والمعايير الدولية، مما قد يؤدي إلى انقسام المعايير التكنولوجية العالمية بناءً على القيم المختلفة.

ب. الجيل الخامس (5G) والاتصالات

تفتخر الصين بأكبر شبكة سكك حديدية عالية السرعة في العالم وأكثر من 4.25 مليون محطة قاعدية لشبكة الجيل الخامس (5G)، مقارنة بأقل من 150 ألف محطة في الولايات المتحدة. شركات الاتصالات الصينية مثل هواوي هي رائدة عالميًا في تكنولوجيا الجيل الخامس، مع 52 مبادرة للجيل الخامس في 34 دولة.

تنظر الحكومة الصينية إلى الجيل الخامس على أنه أمر بالغ الأهمية لـ “الحرب الذكية” وتهدف إلى تعزيز النفوذ العالمي لشركات الإنترنت مثل هواوي.

إن ريادة الصين الهائلة في البنية التحتية للجيل الخامس وشركاتها الرائدة عالمياً في هذه التكنولوجيا، إلى جانب اعتبارها حاسمة للتطبيقات العسكرية، تشير إلى أن الجيل الخامس ليس مجرد تقنية تجارية بل أصل استراتيجي. إن النشر العدواني للصين وتصديرها لبنية الجيل الخامس التحتية يهدف إلى ترسيخ معاييرها الفنية كمعايير عالمية. بمجرد تضمين مجموعات التكنولوجيا الصينية، يصبح التحول إلى مزودين غير صينيين صعبًا ومكلفًا. هذا يخلق هيمنة سوقية واعتمادًا طويل الأجل. هذا الدفع الاستراتيجي، جنبًا إلى جنب مع مخاوف الدول الغربية بشأن الأمن وسلامة البيانات ، يؤدي إلى تجزئة محتملة للنظم البيئية التكنولوجية العالمية، حيث تتبنى مناطق مختلفة معايير متنافسة، مما يؤثر على قابلية التشغيل البيني والتجارة العالمية على المدى الطويل.

ج. أشباه الموصلات: حملة الاكتفاء الذاتي

سبق سعي الصين للاكتفاء الذاتي من أشباه الموصلات التوترات الجيوسياسية الأخيرة، حيث حددت مبادرة “صنع في الصين 2025” هدفًا للاكتفاء الذاتي بنسبة 70% بحلول عام 2025. التزمت الحكومة بموارد كبيرة، بما في ذلك “الصندوق الكبير” (ثلاثة إصدارات، مع تخصيص الإصدار الثالث 47.5 مليار دولار)، وحوافز أخرى لتعزيز الصناعة.

اعتبارًا من عام 2023، أنتجت الشركات الصينية 16% فقط من أشباه الموصلات المستخدمة محليًا، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 26.6% بحلول عام 2027، وهي أقل بكثير من الأهداف. لا تزال الصين تعتمد بشكل كبير على الواردات من الرقائق المتطورة وتتخلف عن القادة العالميين بخمس سنوات على الأقل في تكنولوجيا التصنيع المتقدمة. لا تزال التحديات قائمة في مجالات مثل القياس والطباعة الحجرية.

أدت قيود التصدير التي تقودها الولايات المتحدة، والتي تكثفت منذ أكتوبر 2022، إلى استهداف وصول الصين إلى المكونات الحيوية للذكاء الاصطناعي والابتكار العسكري. وقد “شجعت” هذه القيود سعي الصين للاكتفاء الذاتي، مما أدى إلى جهود لتقليل المخاطر والتركيز على البدائل المحلية مثل RISC-V.

إن تحديد الصين لأهداف طموحة للاكتفاء الذاتي من أشباه الموصلات بنسبة 70% بحلول عام 2025، مقابل تحقيق 16% فقط في عام 2023، وتكثيف هذا السعي بسبب قيود التصدير الأمريكية التي خلقت “لحظة سبوتنيك” ، يدل على أنه على الرغم من الاستثمار الضخم والإرادة السياسية، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات المتطورة يثبت صعوبة استثنائية. هذا يسلط الضوء على التعقيد الشديد والترابط العالمي لصناعة أشباه الموصلات، حيث لا تعتمد القيادة على رأس المال فقط، بل على عقود من الملكية الفكرية المتراكمة، والمعدات المتخصصة، والمواهب عالية المهارة المركزة في عدد قليل من المراكز العالمية. حتى مع “مئات المليارات من الدولارات” ، فإن الاختراقات الأساسية وتطوير النظام البيئي يستغرق وقتًا وتعاونًا عالميًا. إن “الحرب التكنولوجية” وسعي الصين للاكتفاء الذاتي يدفعان نحو انقسام في النظم البيئية التكنولوجية العالمية. وبينما قد يؤمن هذا سلاسل التوريد للصين على المدى الطويل، فإنه يخاطر بعزل صناعتها عن التطورات العالمية وربما يبطئ الابتكار العام بسبب انخفاض تبادل المعرفة وزيادة تكرار البحث والتطوير عالميًا.

د. مجالات استراتيجية أخرى

حققت الصين اختراقات كبيرة ونموًا في براءات الاختراع في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية، والروبوتات، والحوسبة الكمومية، مع التركيز على البطاريات، والتعلم الآلي، وأشباه الموصلات. وتصنف مؤسساتها البحثية في مراتب عالية عالميًا.

تحولت الصين إلى مجتمع غير نقدي إلى حد كبير، حيث تهيمن المدفوعات عبر الهاتف المحمول على المعاملات اليومية (73.20% في عام 2024). تستحوذ Alipay و WeChat Pay على أكثر من 94% من حصة السوق. يدفع هذا التحول توسع التجارة الإلكترونية، وانتشار الهواتف الذكية، وابتكار التكنولوجيا المالية.

إن هيمنة الصين في المدفوعات عبر الهاتف المحمول، التي تدفعها منصات مثل Alipay و WeChat Pay، تمثل تحولًا مجتمعيًا واقتصاديًا عميقًا، مما يشير إلى التبني السريع للبنية التحتية الرقمية. هذه الهيمنة لا تتعلق فقط بالمنتجات الجديدة، بل بالابتكار في العمليات – إعادة تشكيل كيفية إجراء المعاملات وتقديم الخدمات بشكل أساسي. يولد التبني الواسع النطاق كميات هائلة من البيانات، وهي حاسمة لتطوير الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية المخصصة. يؤدي تراكم البيانات هذا إلى حلقة تغذية راجعة قوية لمزيد من الابتكار وتثبيت السوق. بينما توفر هذه المدفوعات راحة كبيرة، فإن هذا المجتمع غير النقدي يركز أيضًا البيانات المالية، مما قد يتيح مراقبة وتحكمًا أكبر من جانب الدولة. علاوة على ذلك، تتوسع أنظمة الدفع عبر الهاتف المحمول الصينية عالميًا، لا سيما في التجارة الإلكترونية عبر الحدود ، مما يوسع نفوذ الصين المالي الرقمي وقد يتحدى أنظمة الدفع العالمية التقليدية.

رابعاً. التأثير الاجتماعي والاقتصادي والنفوذ العالمي

أ. الدور التحولي للاقتصاد الرقمي

يعزز الاقتصاد الرقمي الابتكار التكنولوجي، ويحول الصناعات التقليدية من خلال التكامل العميق، ويشجع على ظهور صناعات ونماذج أعمال جديدة. وقد توسع بشكل كبير، حيث ساهم بنسبة 39.8% من الناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 2021. تزيد الأصول الرقمية من الإنتاجية ولكنها يمكن أن تؤدي إلى انخفاض في التوظيف في أنظمة الإنتاج الضخم.

ب. نهج الصين في التنافسية التكنولوجية العالمية

تهدف سياسات الصين إلى جذب التكنولوجيا الأجنبية ولكنها بعد ذلك تحول الفوائد نحو الشركات المحلية، مما يخلق بيئة تنافسية “صعود أو خروج”. الشركات الأجنبية التي تفقد ميزتها التكنولوجية تخاطر بالخروج للسماح للشركات المحلية باكتساب حصة في السوق وحجم وقدرة تنافسية عالمية. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في السكك الحديدية عالية السرعة، والجيل الخامس، والمركبات الكهربائية.

تحفز الصين توسيع القدرة الإنتاجية، معتقدة أن الحجم يعزز الابتكار من خلال انخفاض الأسعار، وحصة أكبر في السوق العالمية، ودورات تكرار أسرع للمنتجات، وزيادة ميزانيات البحث والتطوير.

إن تنفيذ الصين لسياسة “صعود أو خروج” للشركات التكنولوجية الأجنبية، وتقديم الحوافز في البداية ثم دفعها للخارج بمجرد أن تحقق الشركات المحلية تكنولوجيا “جيدة بما يكفي” ، والتي نجحت في قطاعات مثل السكك الحديدية عالية السرعة والجيل الخامس والمركبات الكهربائية، يشير إلى أن الصين تنظر إلى التكنولوجيا الأجنبية ليس كشراكة دائمة، بل كوسيلة مؤقتة لتسريع قدراتها المحلية. هذه سياسة صناعية استراتيجية للغاية تهدف إلى تنمية الشركات الوطنية الرائدة من خلال الاستفادة من الخبرة الأجنبية ثم ضمان الهيمنة على السوق المحلية. يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة القدرة الفائضة وانكماش هوامش الربح للشركات الأجنبية، مما يقوض قدرتها على تمويل البحث والتطوير والحفاظ على ريادتها. هذا شكل من أشكال الميركانتيلية التكنولوجية التي تقودها الدولة. هذه الاستراتيجية تفرض على الشركات الأجنبية إعادة تقييم جوهرية لمشاركتها في السوق الصينية، مما قد يؤدي إلى تقليل نقل التكنولوجيا، وزيادة البحث والتطوير خارج الصين، ومشهد تكنولوجي عالمي أكثر تجزئة حيث تظهر معايير وسلاسل توريد مختلفة. كما أنها تثير تساؤلات حول المنافسة العادلة وحماية الملكية الفكرية.

ج. تكنولوجيا المراقبة ومخاوف حوكمة البيانات

تساعد الشركات الصينية في المراقبة وتوفر تقنيات أمن عام متطورة للأنظمة الاستبدادية والبلدان النامية. يشمل ذلك مشاريع “المدن الآمنة” المزودة بكاميرات المراقبة والتعرف على الوجه. ترتبط هذه التقنيات بانتهاكات حقوق الإنسان داخل الصين (على سبيل المثال، شينجيانغ) وتثير مخاوف بشأن انتشار الاستبداد الرقمي عالميًا.

يفرض قانون الأمن السيبراني الصيني تخزين البيانات في البر الرئيسي للصين ويقيد نقل البيانات، بينما تحصل شركات التكنولوجيا المالية على وصول مميز إلى ملايين المستهلكين، مما يثير فرص المراقبة.

إن تصدير الشركات التكنولوجية الصينية لتقنيات المراقبة (المدن الذكية، التعرف على الوجه) إلى الأنظمة الاستبدادية وتجميع كميات هائلة من البيانات عبر منصات التكنولوجيا المالية، مع ارتباط ذلك بانتهاكات حقوق الإنسان داخل الصين، يشير إلى أن الصين تستغل براعتها التكنولوجية ليس فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية، بل للنفوذ الجيوسياسي والسيطرة الاجتماعية الداخلية. هذا الاستغلال للتكنولوجيا لأغراض مزدوجة يخلق تداعيات عميقة. فتصدير تقنيات المراقبة والدفع نحو المعايير الفنية الصينية يتحدى المعايير الدولية المتعلقة بالخصوصية وحقوق الإنسان وحوكمة البيانات. إنه يمكّن الأنظمة من تعزيز السيطرة الاستبدادية، مما يقوض العمليات الديمقراطية. تمنح السيطرة على مجموعات البيانات الضخمة بكين فرصًا محتملة لجمع المعلومات الاستخباراتية ونفوذًا اقتصاديًا. هذا يخلق “فجوة رقمية” ليس فقط في الوصول ولكن في القيم، حيث تتماشى الدول إما مع نموذج رقمي أكثر انفتاحًا وقائمًا على الحقوق أو نموذجًا خاضعًا لسيطرة الدولة ومثقلًا بالمراقبة. هذا له تداعيات عميقة وطويلة الأجل على حوكمة الإنترنت العالمية، والأمن السيبراني، ومستقبل العلاقات الدولية، مما قد يؤدي إلى تجزئة الإنترنت العالمي.

خامساً. الخلاصة: الموازنة بين الطموح والواقع العالمي

لقد بنت الصين قاعدة تكنولوجية هائلة من خلال السياسات الاستراتيجية، والاستثمارات الضخمة، والنظام البيئي الديناميكي. إنها رائدة في مجالات مثل البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس، والمدفوعات عبر الهاتف المحمول، وتتقدم بسرعة في الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات الحدودية. ومع ذلك، لا تزال هناك تبعيات مستمرة، لا سيما في أشباه الموصلات المتطورة، تشكل نقطة ضعف كبيرة.

يقود سعي الصين للريادة التكنولوجية التنمية الاقتصادية، والأمن القومي، والنفوذ العالمي. وسيستمر نموذجها الابتكاري الهجين، الذي يجمع بين توجيه الدولة وديناميكية السوق، في دفع التقدم. إن صعود الصين كقوة تكنولوجية له تداعيات عميقة على التجارة العالمية، وسلاسل التوريد، والاستقرار الجيوسياسي. تثير الطبيعة المزدوجة الاستخدام لتقنياتها، لا سيما في الذكاء الاصطناعي والمراقبة، مخاوف أخلاقية وحقوق إنسان بالغة الأهمية ستستمر في تشكيل العلاقات الدولية والمشهد التكنولوجي العالمي.